Collège CSM Montréal Collège CSM

في التأسيس للديكتاتورية

Ibrahim Hariri

Vues d'Afrique

تحتل قيمة الحرية مكانة مركزية في التفكير والفلسفة الغربية، بل تعتبر قيمة القيم. وكل مَسٍّ بهذه القيمة العليا، يعتبر مَسّاً بالأساس الوجودي للفكر الغربي الحديث.

الحرية في السياسة هي النقيض الأساس للديموقراطية وهي بالتالي التجسيد الحي للديكتاتورية.

خطوات نحو وأد الحرية

لقد كانت الفاشية والنازية والستالينية نوعا ما، بمثابة الإنذارات الكبرى للتحول الممكن، داخل المنظومة السياسية والفكرية الغربية، لإمكانية التحول نحو أشكال من الديكتاتوريات المقنعة وصولا، في حالة النازية وغيرها، إلى الديكتاتورية الصرف.

ما هي الديكتاتورية؟

لا أريد أن أدخل في التعريفات الأكاديمية للديكتاتورية وحسبي أن أقول أن الديكتاتورية تسعى أن تجسد في الفرد وفي المواطن نفس القيم ونفس الرؤى التي يحملها الديكتاتور، بمعنى أن الجماعة الديكتاتورية أو الطاغية الفرد، يفرض رؤيته للخير والصواب …ويجب على الأفراد الانصياع لرؤية الجماعة / أو الفرد الحاكم.

في الآداب:

في الأدب الغربي اليوم، نوع من الممنوعات التي تفرضها دور النشر وذلك تحت ضغط الأقليات من كل صوب: المثليون، السمينون…ويفترض في الكاتب أن ينأى بنفسه عن استعمال الأفعال والمفردات التي من الممكن أن تفهم أنها نقد صريح أو مبطن بل فقط رأي مخالف لتصورات هذه الجماعة أو لتلك. هكذا، فإن الأدب الغربي اليوم وبالخصوص في الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح سجين مجموعة الممنوعات وبالتالي نحن أمام كُتاب لا يتمتعون بقيمة القيم بقيمة الحرية وأساسا بحاسة النقد المفترضة في الكتابة الأدبية.

في الأخلاق

إن الجماعة المتحكمة اليوم في العالم الغربي وهي جماعة لا تقوم بالتعريف بنفسها وتسوق بأنها تمثل الأخلاق التقدمية الحداثية المعاصرة، هذه الجماعة تفرض اليوم على كل المتدخلين أن يتبنوا أفكارها وليس من حق الأفراد أن تكون لهم وجهات نظر مختلفة.

لقد رأينا وقرأنا في وسائل الدعاية الغربية ) لا أستعمل مصطلح وسائل الإعلام لأنها تفتقد للحرية وللنقد(  كيف هُوجم مجموعة من لاعبي كرة القدم فقط لأنهم لا يتبنون نفس أفكار الجماعة المتحكمة.

في الإعلام

فَقَدَ الإعلام الغربي بريقه. في الحقيقة لم يستطع أي إعلام آخر أن يعوضه وتلك خسارة كبرى للإنسانية. لقد أصبح الإعلام سجين الإعلان والإشهار وجماعات الضغط. فُقِدت الحرية ومعها حاسة النقد وأصبح الصحافي الغربي ببغاء يكرر الكلام الذي تصوغه الجماعة المتحكمة.

في السياسة

لا رأي يعلو على رأي الجماعة المتحكمة. كل مُخالف لرأي الجماعة المتحكمة والنافذة يسفه صاحبه ويعتقل ويسجن …من آراء البعض في كورونا مرورا بأوكرانيا وصولا لفلسطين: ترفض الجماعة المتحكمة في الغرب الإنصات للرأي المخالف.

في التأسيس للديكتاتورية

هذه بعض المقدمات للتأسيس للديكتاتورية.

كان يعتقد هتلر في صوابية آرائه المتعلقة بتفوق الجنس الآري وكذلك المثل مع موسيليني، وكذلك ستالين المتشبع بالماركسية اللينينية بمعية فريقه الصغير، أن مستقبل الكون يتحدد انطلاقا من الإيمان بالماركسية من جهة وبالانضباط التام لما يقرره الحزب الشيوعي.

دائما مع الشيوعية، يقدم لنا نموذج ماو تسي تونغ في الثورة الثقافية، صورة واضحة أن الطريق نحو الديكتاتورية يمر عبر فرض   ) الدولة والحزب وماو نفسه( نمذجة للفرد الجيد.

ما يقع اليوم في العالم الغربي، في أوروبا وأمريكا، هو ذات الطريق الجميل، المفروش بالورود الذي يذهب رأسا نحو الديكتاتورية.

إننا لا ننطلق من دول الجنوب، ولا نقدم الدول العربية والمغرب ضمنها كنماذج للديموقراطية، أبدا. بل ننطلق من النموذج الشبه متكامل الذي ما فتئت أوروبا وأمريكا الشمالية تقدمانه. هذا النموذج الذي ينهار أمام أعيننا ونرى ونحس بالأنين الصامت لمجموعة من الأفراد. فالبعض بدأ يهرب من هذا الوضع، في هجرة نحو بلدان تتفق مع أخلاقياتهم ورؤاهم ونظرتهم لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

ولأن السياسة هي المعيار الأكثر قابلية للقياس، فقد أوضحت الحرب الأخيرة على غزة مقدار الحرية المسموح بها في الغرب.

فرنسا منعت المظاهرات المساندة لغزة : هناك حوالي 6 ملايين مسلم قد يتعاطفون مع غزة ومع فلسطين، تم منعهم من التعبير عن آرائهم التي لا تتوافق مع النخبة الحاكمة.

ألمانيا منعت هي الأخرى المظاهرات: جالية كبيرة من الأتراك لها قابلية للتعاطف مع غزة ومع فلسطين تم منعها من التعبير عن مواقفها.

وهلُمَّ جرا

لم يقف الأمر هنا.

لجأت الديكتاتورية الناشئة في الغرب إلى أسلوبين متناقضين ومتكاملين من أساليب تكميم الأفواه:

–  الأسلوب الغير مباشر: ويتضمن التضييق على المحتوى في وسائل الاتصال الاجتماعي، الضغط على الصحافيين، توحيد التوصيفات في الجرائد… ونتسائل أين هي حرية الصحافة؟

الأسلوب المباشر: ويتضمن منع الشخصيات العمومية، تحت طائلة العقوبات وغيرها من وسائل الضغط، من التعبير عن آرائها.

إن التأسيس للديكتاتورية مسار طويل وهادئ ومريح أيضا. وتمضي أوروبا نحوه بنوع من العماء الإيديولوجي تجرها، في ذلك الممر، الولايات المتحدة الأمريكية سواء تعلق الأمر بالحرب الأوكرانية وبالحرب الدائرة اليوم في غزة.

الديموقراطية في خطر

دأبنا على القول في مجتمعاتنا العربية خصوصا والعالم ثالثية عموما، أن من مميزات غياب الديموقراطية عدم إنصات الحكومات العربية لنبض الشارع.

هذه الفرية، هذه الكذبة، التي روجها ما يسمى بالمثقفين العرب وهم يقومون بمقارنة وضع الشعوب العربية بنظيراتها في أوروبا وأمريكا الشمالية، لم تكن في يوما ما قائمة واليوم انهارت تماما.

في حرب الفيتنام، قام الشعب الأمريكي بمظاهرات عديدة وطويلة من أجل إنهاء تلك الحرب، وكانت الحكومة الأمريكية تصم آذانها

في حرب الجزائر، لم تنصت الحكومة الفرنسية لما يعتمل في الشارع الفرنسي وظلت تشعل أوار الحرب حتى صارت كلفتها أكثر مما تحتمله الحكومة الفرنسية، فبدأت المسلسل الذي سيفضي لاستقلال الجزائر.

في الحرب الأوكرانية، المظاهرات في برلين وباريس ولندن وواشنطن لم ولن ينتبه لها أحد، لماذا؟

في الحرب الكونية ضد قطاع محاصر، لم تنتبه ولن تعير الحكومات الغربية بالا لآراء شعوبها وستعتبرها  – أي الشعوب – ضحية للبروباغندا العربية.

ألم يقلها رئيس وزراء كندا السيد ترودو عندما جابهه مواطن كندي بأكاذيبه حول الحرب الأوكرانية وقال له: أنت مشبع بالبروباغندا الروسية.

إن الديموقراطية الغربية تعرف جيدا كيف تصنع بروباغندا الإنصات لشعوبها في الأمور التافهة وتفرض رأيها، وإن كان خاطئا وغير متسق مع الحد الأدنى الأخلاقي، في الأمور الجدية.

خاتمة

إنني أشعر بالحزن على تجربة كادت تلامس الكمال باعتباره مسارا غير محدد ولكن المسافة الطويلة نحوه، والتجربة الأوروبية والغربية عموما، كانت تمضي في الاتجاه الصحيح نحوها.

ماذا جرى ؟

لا يمكن للعماء الإيديولوجي المخلوط بالبهارات الدينية القروسطوية التي لا تزال تسيطر على عقول البعض في أوروبا – مثال بوش الابن عن حرب هرمجدون في العراق- أن يكون هو التفسير الوحيد.

لا يمكن أن يكون مفهوم الدورة الحضارية الخلدونية هو التفسير الأمثل.

في انتظار أجوبة شافية، نتألم ونتأمل في هذا المشهد الكوميدي السمج.

إبراهيم حريري

كاتب وصحافي

Vues d'Afrique
Vues d'Afrique