Collège CSM Montréal Collège CSM

الصراع حول الصورة الكتابة الإبداعية وصراع صورة المغرب

ابراهيم حريري

Vues d'Afrique

إن الدفاع عن المغرب، عن الصحراء المغربية، عن النظام السياسي المغربي وعن الملك والملكية في المغرب، أصبح ضرورة ملحة في سياق المشاكسات الجزائرية خصوصا وفي سياق مناوشات جميع الخصوم عموما.

وبذكر الصحراء المغربية، أعتقد أن الدفاع عن مغربية الصحراء، يحتمل مداخل عدة. ويأتي الإعلام في مقدمة آليات الدفاع.

إن الإعلامي يواجه يوميا ادعاءات وافتراءات الخصوم، إنها معركته اليومية ويجد الإعلامي نفسه، دوما، في موقع الدفاع ليس فقط عن مغربية الصحراء، بل عن النظام السياسي المغربي برمته والذي يوجه الملك في مركزه وبالتالي، فإن الإعلامي، يكون في مقدمة الصراع من أجل صورة البلد ككل.

لكن المعركة ليست فقط هي معركة الإعلامي وحده، بل إن المبدع والمثقف والفنان يجب عليهم جميعا الانخراط الواعي والمتبصر في أتون هذه المعركة المفروضة علينا من طرف كل أنواع الخصوم.

  1.  الصراع من أجل الصورة 

يحيط بالمغرب ثلاثة دول وهي الجزائر وإسبانيا وموريطانيا، وكل دولة من هذه الدول، لها مع بلدنا نوع من الصراع الظاهر أو الخفي. فإذا كانت الجزائر قد كشرت عن أنيابها بشكل جلي، فإن إسبانيا تكن عداء حقيقيا للمغرب لكنها تخفيه بشكل كبير وكذلك الأمر بالنسبة لموريطانيا التي تتخوف من المغرب وتعتبره منافسا أكثر مما تعتبره أخا وصديقا.

إن هذه المقدمة لتقول بأن صورة بلدنا، تتأثر، أساسا، بهذا الشعور الملتبس لكل بلد على حدى.

  1. إسبانيا :

إن التاريخ يشهد على تبادل القوة بين شمال وجنوب المتوسط. ففي عز قوة الجنوب، استطاع المغرب، استطاعت الدول المغربية : مرابطون، موحدون خصوصا، أن يمدوا نفوذههم لكامل الجزيرة الإيبيرية. وعندما تقوت إسبانيا، ردَّت الصاع صاعين، واستعمرت أجزاء كثيرة من المغرب، استعمرت الجزر جميعها، استعمرت سبتة ومليلية والكثير من الثغور والمدن الساحلية كما استعمرت الصحراء المغربية.

ومنذ استقلال المغرب، ظل التخوف الإسباني من استعادة المغرب قوته وبالتالي مطالبته بجلاء الاستعمار الاسباني، قائما.

لم يكذب المغرب، مخاوف إسبانيا. وفي سنة 1975، استطاع المغرب استرجاع صحرائه من المستعمر الإسباني.

إن استعادة المغرب لصحرائه، كان مؤشرا واضحا لإسبانيا باستعادة المغرب لقوته وبالتالي، لبيئة تراها هي واضحة ونراها نحن كذلك، مطالبته باحترام الجغرافيا أي استعادة سبتة ومليلية والجزر المحيطة بهما ولم لا استعادة الجزر الخالدات القريبة جغرافيا من المغرب وليس من إسبانيا.

هذه المخاوف الإسبانية ترجمتها الآلة الدعائية الاسبانية لمجموعة من الكليشيهات المعادية للمغرب.

في سنة 1975، حسب الدعاية الإسبانية، استغل المغرب ضعف إسبانيا، ضعف فرانكو، وقام باستعادة أقاليم ليست له.

إن الإعلام الإسباني الذي يتهم البلد ب “احتلال الصحراء “، إن المثقفين الإسبان الذين يتهمون المغرب ب “احتلال الصحراء” لا يتحدثون أبدا عن الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية والجزر التابعة لهما…

إن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، وهذا بالضبط ما تقوم به إسبانيا وأيضا الجزائر وسنقف عليه في حينه.

تستغل إسبانيا، بشكل جيد، ضعف الإعلام المغربي بالمقارنة مع الإعلام الإسباني من جهة وتستغل أيضا، الصراع أو التنافس القائم بين المغرب وجيرانه من جهة ثانية وتقدم نفسها كبلد ديموقراطي متحرر وليست بلدا “استعماريا” كما هي الحقيقة.

هكذا نجح الإعلام الإسباني في الترويج الكاذب بل لقلب الحقائق بين بلدنا وإسبانيا. لقد صار البلد “المحتل” وهو المغرب بلدا “محتلا” لأراضي الغير.

ويمعن الإعلام الإسباني في قلب الحقائق التاريخية فلا يقيم وزنا لجرائم البوليساريو كما وثققها الكاتبة الاسبانية “ريس مونفورتي” في روايتها التي تحمل عنوان “سيسوس دي أرنيا” (قبل الرمال) حيث توثق لجرائم العبودية في تندوف وتوثق أيضا لجرائم البوليساريو ضد العسكريين والمدنيين الإسبان كحالة كل من فرانسيسكو خيمينيز مانتانا، ورايموند لوبيز يبنلفار والفتى ذي 15 ربيعا سباستيان كندا غارسيا.

لا يمكن للمغرب، في ظل الظروف الحالية، أن يفتح عليه جبهات متعددة وهذه الوضعية تستغلها إسبانيا لتقديم المغرب كبلد يحمل جميع المواصفات السلبية في مقابل إسبانيا التي تحمل، بمقارنة مع المغرب، جميع المواصفات الإيجابية وذلك في نقيض للواقع وأقصد هنا الواقع المرتبط بعملية الاحتلال وليس أي نوع من أنواع الواقع الأخرى.

  • موريطانيا :

إن المغرب هو الدولة الملكية الوحيدة في شمال إفريقيا في مقابل جمهوريات مثل موريطانيا، الجزائر، تونس، ليبيا ومصر. وعليه، فإن المغرب دولة، على المستوى السياسي وحسب فهم معين تبسيطي وسطحي، أقل تطورا من جيرانه. إن الملكية هنا ينظر إليها كنظام قرسطوي، تسلطي… في مقابل الجمهوريات التي تمثل الحداثة. طبعا اليوم، مثل هاته التفسيرات، أصبحت متجاوزة وإن عاد لوك مثل هذه النظريات في الإعلام الجزائري مثلا، إلا أن هذه النظريات لا تزال تحكم عقليات نخب الدول المحيطة بنا وأقصد النخب الجزائرية بشكل واضح والنخب الموريطانية بشكل أقل وضوحا وأقل حدة.

هذه النظرة تخفي نظرة أخرى، تغذيها جارتنا الشمالية وهي النظرة إلى المغرب كونه “دولة ذات أطماع توسعية” وهنا لا بد من التنبيه إلى أن بعض النخب المغربية تقدم لهذه الأطروحات المزيد من الوقود وأحيانا أعواد الثقاب  أيضا. (حالة شباط مؤخرا عندما تحدث عن موريطانيا).

  • الجزائر :

ما قلناه عن إسبانيا نقوله عن الجزائر أيضا.

عندما استقلت الجزائر عن فرنسا سنة 1962 بعد حرب طويلة واستعمار استيطاني لمدة 130 سنة، خرجت الدولة الوليدة بحجم تعاطف دولي كبير.

وعلى الرغم من كل التضحيات التي قدمها المغرب الرسمي والشعبي، تنكر الجزائريون لتضحيات المغرب وكالوا للمغرب كل الأوصاف القدحية. بل تعدى الأمر إلى النبش في التاريخ القديم ومحاولة تصوير المغرب بالبلد الخائن منذ دخول الفرنسيين للجزائر أو قبل ذلك بكثير.

حجم التعاطف الدولي والعربي مع البلد الجديد، سيجعل من الجزائر ومن أطروحات الجزائر ضدنا، حكومة وشعبا، أكثر تداولا وأكثر قبولا من المغرب ومن أطروحات المغرب، خاصة في الصحافة العربية.

وحسب هذه الدعاية، فإن المغرب يعيش في نظام “ملكي” متفسخ ديكتاتوري، قرسطوي متسلط، ذو أطماع توسعية… إلخ.

هذه الأسطوانة، ستتقوى أكثر خلال سنوات 70، 80، 90 وبداية الألفين، مسنودة بالمال الوفير المتأتي من قوت الشعب الجزائري لكن سرعان ما بدأت هذه الأسطوانة في الخفوت واستفاق الكثير من الإعلاميين العرب، على تناقض الخطاب والسلوك في الجزائر.

الإعلام المغربي لعب هنا دورا محوريا في قلب الصور النمطية التي حاول الإعلام الجزائري خصوصا والإعلام العربي المرتبط بالمال الجزائري ترويجها.

هذه هي الصور النمطية التي يحاول جيراننا إلصاقها بنا، فماذا يمكننا أن نفعله من أجل تحسين صورتنا.

  1. نحو استعادة المبادرة

على نحو متزايد وبطريقة وئيدة لكنها واثقة، دخل المغرب في الصراع من أجل الصورة في مناطق نفوذ خصومنا. ولعل نجاح المغرب في المسيرة الديموقراطية من جهة والمسيرة التنموية من جهة أخرى، هما الدعماتان الأساسيتان التي تقوم عليها استراتيجية المغرب الجديد في “استعادة الصورة” أو “تصحيح الصورة” التي ألصقها بنا الخصوم.

  1. هل يمتلك المغرب استراتيجية وطنية في هذا المجال؟

أكاد أجزم بالقول أنه لا يوجد لدى الدولة المغربية اليوم أي اهتمام بتبني استراتيجية واضحة المعالم بصورة البلد في الخارج خاصة في العالم العربي، وأن كل اهتمام الدولة اليوم منصب على الداخل. وأضبط بأن “تحسين صورة المغرب” وتصحيحها عمل يقوم به “المغربي” من تلقاء نفسه بصورة فردية.

هل هذا يعني أن المغرب قد فشل في معركة الصورة؟

أبدا وعلى العكس، فإن عدم تدخل الدولة أعطى شحنة قوية لكثير من الأفراد إعلاميين ومثقفين وصناع رأي ونجوم رياضة وعن الفرصة لإظهار صورة البلد الذي يجتهد ويمضي بهدوء وسلاسة في مجالات التنمية والديموقراطية.

وكثيرا ما تصدَّى أفراد بسطاء لدعايات أعدائنا وقاموا بكل ما يلزم من أجل الدفاع عن قيمنا المتوازنة وعن العلاقة الوطيدة التي تجمع الشعب المغربي بأحد ركائزه الأساسية ألا وهو ملك البلاد.

هؤلاء الأفراد من الإعلام التقليدي والإعلام البديل خاصة في المجال الرقمي قاموا بأدوار جليلة وأساسية ونوجه لهم التحية من هذا المنبر، لكن ذلك لا يعني بتاتا وأبدا أن الدولة لا يجب أن يكون لها استراتيجية إعلامية تروم تحسين الصورة من جهة ومحاربة الصورة التنميطية السلبية التي يحاول الأعداء إلصاقها بنا.

وفي هذا المجال، أقترح أن تنبني استراتيجيتنا على النقط التالية:

  • استراتيجية الدفاع عن صورة البلد:

تقوم هذه الاستراتيجية على محاور عديدة، أجملها في النقط التالية:

  1. الكتابة الإبداعية نحو التغيير العميق للفهم

لا يمكن أن ننجح في “قلب الصور النمطية” عن المغرب بدون اللجوء إلى الإبداع والفن، أي إلى الثقافة بشكل عام.

وفي هذا المضمار، تشكل الثقافة ومن خلال الحوار الذي يقيمه بين المبدع والمتلقي، وتعمل (الثقافة) على التغيير العميق وبالتالي للصور النمطية التي تلتصق بشخص ما، بشعب ما، وببلد ما.

لقد أنجب المغرب نخبا عديدة في العصر الحديث، وفي سنة 1978، نافس الفيلسوف المغربي الراحل محمد عزيز لحبابي على جائزة نوبل. كما أن الراحل عبد الكبير الخطيبي شكل أيقونة ثقافة داخل الدولة المستعمرة القديمة لشمال إفريقيا، شكري، الجابري وغيرهم كثير قاموا بالتعريف، كل من وجهة نظره، بثقافة البلد وحضارته.

  1. الرواية في خدمة الوطن:

في سنة 2021 وبشكل متزامن تقريبا، صدرت روايتان مغربيتان تناقشان موضوع الصحراء ويحاول الكاتبان، من خلال العمل الروائي، الانتصار للقضية الوطنية، كل من وجهة نظره.

في فبراير 2021، أصدر الصحافي والروائي الزميل سعيد رحيم رواية شيقة تحت عنوان “حدائق الجنوب” وتتناول الصراع من أجل الصورة من طرف “صائب” الشخصية الرئيسية في الرواية وهو صحافي يشتغل في وكالة وطنية للأنباء ثم في مارس 2021، أصدر الروائي (الماثل أمامكم) رواية تحت عنوان “أحلام” وفيه يجسد “أحلام” الوطن من أجل استعادة كامل أبنائه: المنفيون ك”لزرق” إحدى الشخصيات الأساسية في الرواية وهو معارض مغربي مقيم في فرنسا، أو عودة “محمد بن صالح” من الاحتجاز في مخيمات تندوف وهو طيار مغربي كان أسيرا عند البوليساريو واستعادة “أحلام” لحياتها وهي التي كرست كل جهودها لعودة أبيها الأسير. وفي العمق عودة المواطن والوطن ككل لأصله.

  • الفن في خدمة القضية:

إلى الآن، لا توجد هناك “قضية” لا تزال “القضية المغربية” لا تحظى بهذا التعريف الثمين الذي يعني أساسا نوعا من الالتزام المتبادل بين المثقفين والفنانين والصحافيين من أجل التعريف بقضيتنا الأولى أي استكمال وحدتنا، لكن بوادر بروز” مفهوم القضية المغربية” بدأ بالبروز. فإذا كان الحديث اليوم عن الرواية فهناك أيضا مجموعة من الأفلام الوثاقية، هناك التعريف المستمر بالفنون المتعددة بالصحراء: الشعر الحساني، الرقص، اللباس والعادات وغيرها.

إن عملا يجمع بين الرواية والسينما والفن قادر على تمرير هذه الرسائل مجتمعة وهذا ما ينتظره المواطن المغربي بفارغ الصبر.

خاتمة

أعتقد جازما أن الأعمال الروائية والأفلام السينمائية ومجمل الفنون قادرة على قلب معركة الوعي لصالح الأطروحة الوطنية القائمة على أساس وحدة الدول وليس تفتيتها وخلق كيانات وهمية بدون أسس لا تاريخية ولا مادية.

إن معركة الوعي أو معركة استعادة الوعي هي معركتها القادمة في المغرب. إن المغرب ليس هو الدولة المعتدية كما تفنن في ذلك إعلام الأعداء، بل المغرب هو الدولة التي تكالب عليها الاستعمار واقتطع أجزاء منها شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وجعلها نهبا. ويطالبنا المعتدون والمحتلون بأن نقر بأننا نحن المعتدون وأنهم هم الضحايا في قلب سافر للوقائع التي على الأرض بادية.

لم يشهد التاريخ المعاصر قلب للحقائق كما تعرض له تاريخ المغرب، ولم يتحد الأعداء والخصوم على بلد ما كما اتحدوا ضد بلادنا، لذلك فإن معركتنا معركة طويلة وللتو بدأنا وهي معركة متصلة وتشهد فصولا كثيرة ولا يمكننا، في ظل شراسة أعداءنا. إلا أن نتكاثف جميعا ونتحد سويا ونبقى دوما متيقظين.

الكاتب والصحفي والسينمائي والرسام وكل أشكال الفن مدعوون للمساهمة في هذا المجهود، كل بوسائله وأدواته وآلياته؛ ذلك أن المعركة طويلة ومستمرة ويجب أن نبقى مجندين من أجل المعركة الأساسية التي تسعى وراءها شعوبنا ويحاول البعض، خدمة لأجندات أخرى، تأخيرها دائما وأبدا، ألا وهي معركة التنمية، إن الكاتب والفنان والإعلامي لهم أدوار طلائعية من أجل شحذ الوعي واستعادة المبادرة والفعل l’action وجعل خصوم وحدتنا الترابية وخصوم نموذجنا الدولتي المتهم بملكية ديموقراطية، (جعلهم) في موقع الدفاع وليس موقع الهجوم.

إننا جميعا ملزمون وفي إطار أخلاقي عالي ودون السقوط في الفخاخ الأخلاقية التي هي ديدن أعدائنا من فبركة الصور وخلق الأحداث وتزوير التاريخ القديم والحديث…ملزمون. ومن منطق الهجوم، بالدفاع عن نموذجنا الثقافي والسياسي والوطني، نموذجنا التنموي والوحدوي في إطار دولة وطنية جامعة.

Vues d'Afrique
Vues d'Afrique