Collège CSM Montréal Collège CSM

في متعة السفر

 إبراهيم حريري

Vues d'Afrique

كانت سنة طويلة. لم تكن السنة كئيبة ولا فرحة. في أواخر الربيع وبداية الصيف، تهفو النفس للسفر.

ابنتي اجتازت امتحان الباكالوريا بامتياز، كان حافزا ٱخر يدعوني للسفر. يومان على شاطىء بحر الوالدية بين الجديدة وٱسفي. ثم استدعتني رياح الصويرة القديمة ( الصويرية)، لبيت نداء الريح وتذكرت فتية ٱسفي. تقول الأسطورة أن ثمانية فتية ركبوا المغامرة من شواطئ  أشبونة (لشبونة) يقصدون عبور بحر الظلمات . جنح مركبهم وانتشلهم صيادون. التفوا حولهم يسألونهم عن أحوالهم. تطلع الفتية حولهم، تعرفوا على المكان وصاروا يندبون حظهم إذ تركوا الأندلس وصاروا يرددون بصوت واحد : وآسفاه وآسفاه، ومن تم أُطلق على المكان آسفي وتبقى العهدة في الحكاية على الإدريسي. أعلم يقينا أن اسم آسفي له اشتقاقات أخرى مرتبطة باللغة الأمازيغية وتعني عموما مصب الوادي، لكنني أحب الأساطير.

في كل مرة أزور أرض أجدادي بمنطقة الشياظمة، لا بد وأن أستحم بالصويرة القديمة وبحيبح وسيدي عبد البطاش وصولا للصويرة، أستحضر حكاية الفتية الثمانية ورحلة راع أواخر الستينات من القرن العشرين. أملأ فؤادي بالريح وأتزود بالغبار وأؤجل رحلتي الحالمة لزمان لاحق.

هلَّ شهر غشت إذن، نداء آخر يستبد بجوارحي. تهفو روحي لزرقة المتوسط، لحكاية أخرى. حكاية رجل أحرق مراكبه وصاح في جنده : البحر وراءكم والعدو أمامكم…

كانت أمامي سياج من حديد على حدود سبتة السليبة وأمامي صخرة ذلكم الرجل صاحب كلمة العدو أمامكم… رغم أن الضباب في الأفق كان يحجب قليلا من رؤيتي لجبل طارق بن زياد.

في قرية بليونش أكلت طاجين سمك وشواية سمك وصحن ( بايصر) وارتميت في زرقة صافية ومياه مثلجة. ظل طفل في حوالي 12 أو 13 سنة من عمره يبكي وأبوه يدعوه للارتماء في الثلج، في البحر.

عدنا أدراجنا للمضيق. لأول مرة أحاول تطبيق الطوبونيميا وأحاول فهم الكلمة. المضيق. الرينكون. كلها أسماء تحيل، ربما، لمضيق بين بحرين، بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. ميناء طنجة لا يزال جائعا ويلتهم مزيدا من الأراضي بالقرب من الرينكون. وعلى الرغم من ذلك، تقدم مدينة المضيق نفسها لكل زائر، تشبعهم من سمكها وتغطيهم بزرقة سمائها وتودعهم على أمل لقاء متجدد.

لا تزال رحلتي ممتدة بين جبال الريف. نزلت بين قرني ماعز جبلي أمازيغي حر. نزلت ضيفا عند السيدة الحرة. امرأة في عقدها السادس وتتحرك مثل امرأة ثلاثينية، برشاقة وهمة وابتسامة. إنها شفشاون. في اللغة الأمازيغية، تعني كلمة شفشاون بين قرني ماعز.

طاجين بلحم الماعز وشاي منعنع بين جداول وشلالات أقشور، تمة متعة لا حد لها، متعة لا تضاهى. عندما تلفحك الشمس، ارتمي في أول جدول تعود منزلتك الأولى وتنسى كل إعياء لكأنك ولدت من جديد. كنت مجهدا ذات مرة سابقة، كنت أتنفس صعدا، كنت أختنق. للحظة ظننت أنني مودع هذا العالم. ما إن ارتميت في حوض من الماء صنعته الطبيعة، حتى زال كل التعب.

في اليوم الأخير. نهضت باكرا وقفلنا راجعين. توقفت بأصيلة. ركنت سيارتي بمربض قرب باب المرسى. رفعت رأسي قليلا. “زريرق”، المقهى الأزرق. تمنيت لقاء عمران المالح لكنه ترك عالمنا منذ سنين عديدة وخلف لنا ذكرى زريرق، مقهى الصيادين الزلايشيين صباحا والفنانين مساء.

السور يحول الآن بين البحر وزرقته الأخاذة وحكايات الغرق وبين رواد المقهى. لا أحد يريد أن يتذكر الذين رحلوا، الذين رحلوا وقتلوا ودفنت حكايتهم بين أدران السياسة.

صحن سمك عند بَّا ادريس وحكايات وتوقيعات عدة من رجالات الفن والسياسة والثقافة زاروا مطعم رجل يلبس، غالبا، الأبيض ويتحرك على دراجة عادية.

لم يخب ظني. كان طبقا شهيا وجلسة رائعة.

وأسدل الستار عن سنة 2023.

يبدو أننا نمضي نحو … أرجو أن يخيب ظني، لكن المتحور الجديد يهدد الهدأة التي جاهدت نفسي كي أجدها.

متى يأتي الخريف؟ تسألني، في الطريق، ابنتي. قريبا أجيب. لكن لا تزال موجة الحرارة تضرب بقوة. يبدو أن الخريف سيتأخر قليلا، إنها مرحلة الغليان يقول الأمين العام للأمم المتحدة.

كل شيء يغلي. الجو، السياسة، الأسعار والحروب .

متى يأتي الصيف القادم والرحلة التالية ؟

في انتظار أن تنقشع سحب الخريف والشتاء،  في انتظار أن يزول شقاء العمل، أقول إلى لقاء قريب ومتجدد.

إلى الشقاء.

إلى العمل.

إبراهيم حريري

Vues d'Afrique
Vues d'Afrique